عبد الله بن محمد المالكي

184

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

شابا له صيانة » ، فقبل ذلك منه روح ، وولّى عبد اللّه بن غانم القضاء . وكان ابن فروخ أشد الناس كراهة في القضاء : وكان يقول « 62 » : « قلت لأبي حنيفة : ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال لي : يا ابن فروخ ، القضاء على ثلاثة أوجه « 63 » ، مثل رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولا ، فما عسى أن يعوم يوشك أن يكلّ فيغرق ، ورجل لا بأس بعومه فعام يسيرا فغرق ، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه في البحر فغرق من ساعته ، فهذا يمنعني من القضاء والدخول فيه » . وأرسل « 64 » يزيد بن حاتم إلى ابن فروخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب ، هل تجوز الصلاة به ؟ فقال : « ما أرى به بأسا » ، وقال بحضرة الرسول : « يسألوننا « 65 » عن دم البراغيث ولا يسألوننا « 65 » عن دماء المسلمين التي تسفك ! » . وعن « 66 » عبد اللّه بن فروخ أنه خرج يوما يصلّي على جنازة فلما تابع رأى « 67 » إسحاق ابن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ليضريها به ، فنهشت الظبي ومزقت جلده ، فلما انصرف من الجنازة لقي إسحاق ابن الأمير الذي كانت الكلاب معه فاستوقفه ابن فروخ ، فوقف له إسحاق ، فما كناه ابن فروخ ولا زاده على أن قال له : « يا فتى ، إني رأيتك آنفا تغري كلابك بشيء من البهائم . وما أحب لك ذلك ، لأن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، نهى عن ذلك « 68 » » فقبل منه إسحاق وقال له : « صدقت يا أبا محمد ، جزاك اللّه خيرا » مكنيا له ومعظما ، ثم قال : « واللّه لا فعلت ذلك بعدها أبدا » ثم مضى لوجهه .

--> ( 62 ) النص في تاريخ إفريقية ص 179 ، والمدارك 3 : 108 والمعالم 1 : 243 . ( 63 ) رواية المدارك : القضاة ثلاثة . وفي ( م ) : القضاة على ثلاثة أوجه . ( 64 ) الخبر في تاريخ إفريقية ص 181 والمدارك 3 : 108 والمعالم 1 : 244 . ( 65 ) في الأصل : يسألونا . والمثبت من ( م ) والمصادر . ( 66 ) الخبر في المدارك 3 : 109 ، المعالم 1 : 244 - 245 . ( 67 ) كذا في الأصل . وعبارة المعالم : في باب نافع ، فرأي . ولا ذكر لباب نافع في رواية المدارك . ( 68 ) في خصوص ما جاء في ذلك من آثار ينظر : « تحرير البيان في الرفق بالحيوان » للمرحوم إدريس محفوظ الشريف . ط . تونس